بيننا ملايين، بعضهم من قادة البلاد ما زالوا يتساءلون عما إذا كان حسنى مبارك ورجاله مسؤولين حقا عما حل بمصر من فساد وخراب على كل المستويات، وما إذا كانت محاكمتهم
سياسية عن كل ما جرى لمصر ستكون محاكمة عادلة أم لا؟ بينما فى إيطاليا -على سبيل المثال لا الحصر- تتواصل جلسات محاكمة ستة علماء فى علم الجيولوجيا والزلازل، بالإضافة
إلى مسؤولين حكوميين، جميعهم متهمون بالقتل غير العمد، وذلك لإخفاقهم فى إعطاء تحذيرات واضحة قبل زلزال مدمر وقع فى منطقة لاكيلا الإيطالية عام 2009 ونتج عنه مقتل 309
مواطنين. ومع أن إيطاليا تعج بالأزمات السياسية والاقتصادية وينتفض أحرارها هذه الأيام ضد تزاوج السلطة برأس المال، فإنها لم تشهد مثلا وقفات احتجاجية فلولية النزعة تعتبر أن
محاكمة هؤلاء العلماء ظلم وعدوان على أساس أن «الزلزال قضاء وقدر ودى إرادة ربنا وماجتش عليهم يعنى»، بل تتم محاكمتهم بقلب جامد لأنهم طبقا لأوراق الدعوى فشلوا فى أداء
عملهم الذى كان يقتضى أن يقوموا بإصدار تحذيرات جدية للناس من خطر وقوع زلزال كبير، خصوصا أن المدينة القديمة شهدت أكثر من 400 هزة صغيرة جدا فى الأشهر التى سبقت
الزلزال المدمر، وحسب نص الدعوى فهم متهمون بإصدار بيانات مضللة أسهمت فى موت الأبرياء وأدى إهمالهم وعدم إحساسهم بالمسؤولية إلى عدم إمداد المواطنين بمعلومات فعالة
تحذرهم من خطر الزلزال، ورغم أن أكثر من خمسة آلاف عالم من جميع أنحاء إيطاليا وقعوا بيانا فى العام الماضى يطالبون فيه بإسقاط التهم عن العلماء، فإنها لن تبدو مجدية لإنقاذ
العلماء الذين سيواجهون -إذا أدينوا- عقوبة السجن لمدة 15 عاما، بينما لدينا يمكن أن تغرق ألف مواطن وتأخذ سبع سنوات بالكثير وتفلت أنت وشركاؤك من العقوبة.
فى بلادنا أيضا تدخل الجثة إلى الطب الشرعى فنسأل الله أن يثبت قلوب الأطباء الشرعيين فى وجه الضغوط العاتية، وأن يظهر الله الحق على أيديهم، ويجنب جثث الشهداء امتداد أيدى
العابثين إليها بحثا عن الرصاصات التى تكشف الحقيقة، بينما فى بلاد الله التى تحترم كرامة الإنسان أصبح الطب الشرعى يتفوق على نفسه فى حل ألغاز جرائم حدثت منذ مئات السنين بلا
مبالغة، فى بريطانيا قرأت مؤخرا عن حل لغز جريمة وقعت منذ 130 سنة وظلت تعتبر من أكثر الجرائم غموضا فى التاريخ البريطانى، حين قامت خادمة فى منطقة ريتشموند بخنق
سيدتها وتقطيعها وتوزيع لحمها على أهل القرية بعد أن أخفت رأسها لكى تهرب من العقوبة، حيث كان القانون يقضى وقتها قبل زمن الـ«دى إن إيه» بأنه فى ظل غياب رأس الجثة لا
يمكن توجيه اتهام نهائى، ومع ذلك وبسبب بشاعة الجريمة وتوافر قرائن كثيرة ضد الخادمة صدر الحكم بشنقها فى عام 1879، وبعد كل هذه السنين وفى أثناء قيام نجم الأفلام الوثائقية
الشهيرة ديفيد أتنبرو بحفريات فى المنطقة تم العثور على جمجمة مدفونة تم إرسالها إلى الطبيب الشرعى الذى استخدم تكنولوجيا جديدة بأشعة الراديو الكربونية أكدت أن الجمجمة تعود
إلى السيدة القتيلة التى ماتت من إسفكسيا الخنق بعد أن تعرضت للضرب فى رأسها بعد صراع مع خادمتها التى كانت مخمورة.
ستقول لى ونحن إيش أوصلنا إلى بريطانيا يا أخى، دعنى أحدثك عن فنزويلا إذن، فبعد سنة من ادعاءات الرئيس الفنزويلى هوجو تشافيز أن محرر أمريكا اللاتينية سيمون دى بوليفار
مات مسموما بعد مؤامرة من كبار المتنفذين الكولومبيين، أثبت الطب الشرعى بعد تحقيقات استخدمت أحدث التقنيات أن كلام تشافيز غير صحيح، وأن دى بوليفار مات مسلولا. فى
تشيلى أيضا وبعد فتح ملف التحقيق فى قضية مقتل الزعيم اليسارى الشهير سلفادور الليندى الذى كان الملايين من مناصريه يعتقدون أنه لم يمت منتحرا كما قال جنرالات الجيش
المنقلبون عليه، وأنه مات مقتولا، وبعد فحوصات مكثفة للطب الشرعى تم الإعلان عن تأكيد فرضية انتحاره وتبرئة الجنرالات من دمه. أما نحن فمع أننا نستطيع فى عصر توافر
التقنيات
العلمية أن نحل ألغازا حقيقية تخص الميتات المثيرة للجدل لأبرز زعمائنا فنعرف هل مات عبد الناصر مسموما أم لا؟ وهل انتحر عبد الحكيم عامر أم نحروه؟ وما ملابسات مقتل كل من
القيادى الإخوانى كمال السنانيرى والشهيد سليمان خاطر والعلامة جمال حمدان وغيرهم؟لكننا نعلم أن ذلك لن يكون ممكنا إلا لو تولى أمرنا حكام منتخبون يخافون الله ولا يخافون من
الحقيقة أيا كان ثمنها، ولا تهون عليهم الدماء المصرية، ولذلك سيكون تطوير واستقلال مصلحة الطب الشرعى على رأس اهتمامات هؤلاء إذا تولوا الحكم، لأنها يمكن أن تكون رمزا
لاسترداد العدالة المفقودة فى مصر.
فى موضوع غير منفصل، قرأت فى «الصنداى تايمز» البريطانية تحقيقا على مساحة نصف صفحة عن طبيب يعمل مع هيئة التأمين الصحى البريطانية قام بإعطاء تشخيص خاطئ
لمريض بأن لديه التهابا فى الحلق ثم اتضح أن لديه سرطانا فى الحنجرة، فى نفس اليوم جاءتنى رسالة تحكى تفاصيل كارثة وقعت فى أحد مستشفيات التأمين الصحى، حيث ماتت طفلة
حرقا فى حضانة الأطفال المبتسرين لأن الأطباء كانوا يضحكون مع بعضهم فى نهار رمضان فلم يفصلوا الكهرباء عن الحضانة فى الوقت المحدد، ولم أتذكر أننى قرأت ولو تقريرا عن
الحادثة وقت وقوعها، ببساطة لأنها صارت حادثة معتادة لدينا، فالإنسان لدينا رخيص، وموته نتيجة الإهمال لا يستحق أكثر من خبر صغير فى صفحة الحوادث. قلت لنفسى: اليوم الذى
تجد فيه صحيفة تفرد نصف صفحة لخبر موت مواطن فى مستشفى حكومى لدينا هو اليوم الذى سنكون فيه قد بدأنا فى التوقف عن ترديد الشعارات الدينية والوطنية لنكون بشرا بحق
وحقيق.
وأخيرا لا تجعل أحدا يضايقك أبدا، خصوصا إذا كان كاتبا رزيلا مثلى يأتى لك بأخبار تضايقك من شتى بلاد الله، فقد أنجز علماء بجامعة هامبورج الألمانية دراسة تثبت أن تركيز المخ
على الأفكار الإيجابية اللحظية بدلا من التفكير فى المستقبل، يمكن أن يساعده على تحقيق صحة عقلية أفضل. التجربة التى أجريت على أمخاخ عينات من مختلف الأعمار، اكتشفت أنه
كلما زاد نشاط جزء المخ المتحكم فى العواطف اللحظية، كانت صحة الإنسان العقلية أفضل، وكلما حرص الإنسان على أن يظل سعيدا وركز على الجوانب الإيجابية، كانت حالته أفضل
عندما يكبر فى السن. بالمناسبة هذه ليست دعوة للانضمام إلى حزب الكنبة السعيدة ومقاطعة قراءة الصحف وبرامج التوك شو التى تثير قلقك على مستقبل مصر، بل هى فقط محاولة
لجعلك تفهم لماذا لا يفكر قادة المجلس العسكرى فى مستقبل البلاد ولا فى المخاطر المحدقة بها بسبب قراراتهم المتباطئة والمتخبطة؟ فهم على ما يبدو مشغولون بالبحث عن صحة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق